المقريزي
377
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
أصغرهم ، وطلب اليهود زيتا لوقود الهيكل فلم يجدوا إلّا يسيرا ، وزعوه على عدد ما يوقدونه من السرج في كل ليلة إلى ثمان ليال ، فاتخذوا هذه الأيام عيدا وسموها أيام الحنكة ، وهي كلمة مأخوذة من التنظيف ، لأنهم نظفوا فيها الهيكل من أقذار أشياع ذلك الجبار ، والقرّاء لا يعملون ذلك لأنهم لا يعوّلون على شيء من أمر البيت الثاني . وشهر طبيث عدد أيامه تسعة وعشرون يوما ، وفي عاشره صوم سببه أنه في ذلك اليوم كان ابتداء محاصرة بخت نصر لمدينة بيت المقدس ، ومحاصرة طيطش لها أيضا في الخراب الثاني . وشفط أيامه أبدا ثلاثون يوما وليس فيه عيد . وشهر آذر عند الربانيين كما تقدّم يكون مرّتين في كلّ سنة فآذر الأوّل عدد أيامه ثلاثون يوما إن كانت السنة كبيسة ، وإن كانت بسيطة فأيامه تسعة وعشرون يوما ، وليس فيه عيد عندهم . وآذر الثاني أيامه تسعة وعشرون يوما أبدا وفيه عند الربانيين صوم الفوز في اليوم الثالث عشر منه ، والفوز في اليوم الرابع عشر واليوم الخامس عشر ، وأما القرّاؤون فليس عندهم في السنة شهر آذر سوى مرّة واحدة ، ويجعلون صوم الفور في ثالث عشرة وبعده إلى الخامس عشر ، وهذا أيضا محدث ، وذلك أن بخت نصر لما أجلى بني إسرائيل من بيت المقدس وخرّبه ساقهم جلاية إلى بلاد العراق ، وأسكنهم في مدينة خي التي يقال لها أصبهان ، فلما ملك أزد شير بن بابك ملك الفرس ، وتسمية اليهود أحشوارش ، كان له وزير يسمى هيمون ، وكان لليهود حينئذ حبر يقال له مردوخاي ، فبلغ أزدشير أن له ابنة عمّ جميلة الصورة ، فتزوّجها وحظيت عنده ، واستدنى مردوخاي ابن عمها وقرّبه ، فحسده الوزير هيمون وعمل على هلاكه وهلاك اليهود الذين في مملكة أزدشير ، ورتب مع نوّاب أزدشير في سائر أعماله أن يقتلوا كلّ يهوديّ عندهم في يوم عينه لهم ، وهو الثالث عشر من آذر ، فبلغ ذلك مردوخاي فأعلم ابنة عمه بما دبره الوزير وحثها على إعمال الحيلة في تخليص قومها من الهلكة ، فأعلمت أزدشير بحسد الوزير لمردوخاي على قربه من الملك وإكرامه ، وما كتب به إلى العمال من قتل اليهود ، وما زالت به تغريه على الوزير إلى أن أمر بقتله ، وقتل أهله ، وكتب لليهود أمانا ، فاتخذ اليهود هذا اليوم من كلّ سنة عيدا وصاموه شكرا للّه تعالى ، وجعلوا من بعده يومين اتخذوهما أيام فرح وسرور ولهو ومهاداة من بعضهم لبعض ، وهم على ذلك إلى اليوم ، وربما صوّر بعضهم في هذا اليوم صورة هيمون الوزير ، وهم يسمونه هامان ، فإذا صوّروه ألقوه بعد العبث به في النار حتى يحترق . وشهر نيسن عدد أيامه ثلاثون يوما أبدا ، وفيه عيد الفاسح الذي يعرف اليوم عند النصارى بالفسح ، ويكون في الخامس عشر منه ، وهو سبعة أيام يأكلون فيها الفطير وينظفون بيوتهم من أجل أن اللّه سبحانه خلص بني إسرائيل من أسر فرعون في هذه الأيام حتى